دكتور متى ناشد حنا | رجوع

سمعت عنه الكثير قبل أن أعرفه ..
ثم عرفته واقتربت منه كثيرا في فترة مرضه الأخيرة ، فأحببته من قلبي وتعلقت به ، وقلت هوذا النصف الذي لم أُخبر به ..

وانتابني حياله شعوران متضادان :
• وددت لو أني عرفت هذا الشخص الجميل واستمتعت بعشرته قبل ذلك بكثير .
• وفي نفس الوقت وددت لو لم أعرفه وأتعلق به وأحبه وأنا أعلم أني سأفقده قريبا وسأفتقده كثيرا .

رأيت فيه مثالا لخادم المسيح الحقيقي المكرس ، كان المسيح وخدمته كل حياته ومحور أحاديثه واهتمامه ، نعم كانت كل حياته وَقْفاً لسيده ولخدمته ، فلما انتهت خدمته انتهت أيضا حياته.

كان إزاء مرضه الأخير راضياً وشاكراً ومسلّماً لإرادة الله ومشيئته ولسان حاله ليكن " ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" ، فما رأيته أبداً شاكياً أو متذمراً بل احتمل آلام المرض وهي مريرة – لو تعلمون – بإيمان وصبر وتسليم رغم معرفته كطبيب بكل تفاصيل مرضه وأبعاده الخطيرة ، لقد فاحت منه رائحة المسيح الذكية ، وكلما اشتدت نيران الألم والتجربة كلما تصاعد أريجها عطراً يعبق الأجواء .

لمست فيه حضوراً طاغياً ، وجاذبية آسرة لا تقاوَم ، كل من اقترب منه وتعامل معه أحبه وتعلق به وكأنه يعرفه منذ زمنٍ بعيد .. الجميع بلا استثناء الأطباء والممرضات والممرضين والعمال بالمستشفى أحبوه وتأثروا به وكانوا دائمي السؤال عنه حتى بعد خروجه من المستشفى ، ومن جانبه لم يضِعْ وقتاً لكنه كلّم الجميع عن المسيح وشهد له ، وترك معهم نبذ وشرائط ... لقد كان كارزاً حتى النفس الأخير ، وان كان الرسول بولس قد ولد فليمون وآخرين كثيرين في قيوده ، فإني أثق أن الأخ عادل وهبة قد ولد كثيرين أيضاً وهو في قيود المرض.

لمست أيضا المحبة الجارفة التي له في قلوب الكثيرين – أخوة له وأبناء في الايمان – من كافة أنحاء البلاد ومن خارج البلاد ، ورأيت وفوداً كثيرة تصل يومياً إلى المستشفى ، تحيطه بالحب وتصلي لأجله بحرارة ودموع ، وسمعت أن شوارع مدينة المنيا لم تشهد في تاريخها مثيلاً لجنازته .. على أن محبة الناس وإكرامهم ليسا هما مكافأته الحقيقية لكن الجزاء الحقيقي والأعظم أمام كرسي المسيح الذي أحبه وعاش من أجله .

لمست أيضا حباً شديداً وتعلقاً ووفاءً ندر أن رأيت مثله ، من جميع أفراد عائلته المحبوبين ، أشقاؤه وشقيقاته و أولادهم وبناتهم وآخرون ، وأشهد لهم انه لو أمكن لقلعوا عيونهم وأعطوه .

عرفت فيه محبة قوية لكلمة الله ، ومعرفة عميقة بها ونهماً شاملاً لها ، كان تلميذاً مجتهداً بحق في مدرسة الكلمة وكان يشغله دائماً مجيء المسيح الثاني ، وقد أوصاني أن أوصي خُدَّام الأخوة بأن يكثروا الحديث عن هذا الرجاء المبارك ، وقد فعلت .

كان حلو الحديث ، طيب المعشر ، لا تمل من الجلوس معه والاستماع اليه ، وكانت لنا أوقات شركة مباركة ، على أن احاديثه كلها كانت تصب في إطار واحد ، محبة سيده وخدمته ، حدثني كثيراً عن فترة اعتقاله في أحداث سبتمبر 1981 ، وكيف كانت نقطة تحول وانطلاق في حياته و كيف استخدمها الرب بركة لنفسه ، واستخدمه هو بركة لكثيرين من المسجونين والسجَّانين على حدٍ سواء .

لا أنسى اللقاء الأخير قبل انطلاقه بساعات والألم يطحنه ، وقد أمسك بيدي وقال لي ماعرفت منه مكانتي في قلبه .. وأنا لا أملك حياله سوى الدموع والصلاة .
انه حقاً شخصٌ لا يُنسى
لقد رحل لكن الأثر باقٍ مابقي الزمن

يعزيني ثلاثة أمور :
 أنه الآن مع المسيح أسعد حالاً وأهنأ بالاً ، لقد استراح أخيراً من كل تعب و من كل ألم .
 أنه سوف ينال مكافأته العادلة أمام كرسي المسيح ، ذاك الذي لايضيع عنده أجر كأس ماء بارد باسمه .
 وأننا سنلتقي قريباً وسيجتمع الشمل قريباً و يقيناً ، عند مجيء المسيح.

آمين تعال أيها الرب يسوع
دكتور متى ناشد حنا
يناير 2007

رجوع إلى القائمة الرئيسية